ابن كثير

108

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يسكنّ لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده ، ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده : فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الجذع وهكذا هذه الآية الكريمة إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام اللّه وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته ، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم ؟ وقد قال تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى [ الرعد : 31 ] الآية . وقد تقدم أن معنى ذلك أي لكان هذا القرآن ، وقد قال تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ البقرة : 74 ] . ثم قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره ولا إله للوجود سواه ، وكل ما يعبد من دونه فباطل ، وأنه عالم الغيب والشهادة أي يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا ، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير حتى الذر في الظلمات . وقوله تعالى : هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير بما أغنى عن إعادته هاهنا ، والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات ، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، وقد قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] وقال تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] وقال تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] ثم قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ أي المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة . وقوله تعالى : الْقُدُّوسُ قال وهب بن منبه أي الطاهر . وقال مجاهد وقتادة أي المبارك وقال ابن جريج تقدسه الملائكة الكرام السَّلامُ أي من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله . وقوله تعالى : الْمُؤْمِنُ قال الضحاك عن ابن عباس : أي أمن خلقه من أن يظلمهم . وقال قتادة : أمن بقوله أنه حق . وقال ابن زيد : صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به . وقوله تعالى : الْمُهَيْمِنُ قال ابن عباس وغير واحد : أي الشاهد على خلقه بأعمالهم بمعنى هو رقيب عليهم كقوله وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * [ البروج : 9 ] وقوله ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ [ يونس : 46 ] وقوله أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] الآية . وقوله تعالى : الْعَزِيزُ أي الذي قد عز كل شيء فقهره وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه ، ولهذا قال تعالى : الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ أي الذي لا تليق الجبرية إلا له ولا التكبر إلا لعظمته ، كما تقدم في الصحيح « العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته » « 1 » وقال قتادة : الجبار الذي جبر خلقه على ما يشاء . وقال ابن

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في اللباس باب 26 ، وابن ماجة في الزهد باب 16 ، وأحمد في المسند 2 / 248 ، 376 ، 414 ، 427 ، 442 .